اجابة مختلفة لسؤال تقليدي: لماذا لا يقرأ العرب؟

كتتتب

حفظ الملكية الفكرية في العالم هو السبب المباشر في نهضة صناعة المعرفة بما في ذلك ازدهار صناعة نشر الكتب. ولعل ذلك يفسر العوائد السنوية الضخمة التي تجنيها أكبر عشر شركات ناشرة للكتب في العالم من بيعها للكتب (1). ولو ان حقوق الملكية الفكرية في تلك الدول منتهكة لما انتشرت الكتب وثقافة قراءتها ولأصبح الاستثمار في نشر الكتب استثمارا خاسرا.

Picture1

تجدر الإشارة هنا إلى أن اجمالي عوائد أكبر 57 شركة نشر في العالم يبلغ حوالي 69 ألف مليون دولار سنويا وهو مبلغ كبير ويعكس مدى أهمية نشر الكتب في العالم كصناعة ذات مردود اقتصادي مهم. إن دور النشر هذه تنفق مئات الملايين من الدولارات للإعلان عن الكتب. فدفع الناس إلى القراءة يصب مباشرة في مصلحة تلك الشركات. وأي زائر لدولة صناعية متطورة سيجد الإعلانات عن الكتب منتشرة في الشوارع وعلى وسائل المواصلات وفي كل مكان، ولتلك الحملات الإعلانية دور كبير في دفع المجتمع إلى القراءة، فهم يعلمون أن لا وسيلة لرواج تجارتهم إلا بدفع الأفراد إلى القراءة. كما أن دور النشر تغري المؤلفين لتأليف المزيد من الكتب، حتى أن مؤلفي الكتب أصبحوا من أعداد المشاهير في العالم وتتصدر صورهم وسائل الأعلام ويحصلون على الكثير من العوائد بسبب انتشار كتبهم في العالم بعد ترجمتها الأمر الذي يدفعهم إلى الإبداع في تأليف المزيد من الكتب. لا شك أن تدني حماية حقوق الملكية الفكرة للمؤلف والناشر في الوطن العربي يؤدي إلى فوات فرصة نمو قطاع التأليف والنشر. ولكي نتمكن من تقدير الخسارة الناجمة عن انتهاك الملكية الفكرية في العالم العربي تمت الاستعانة بمعلومات تتعلق في صناعة التأليف والنشر في اليابان كنموذج نستدل من خلاله على تقدير صناعة التأليف والنشر في العالم العربي. وقد تم الاعتماد على معلومات تتعلق باليابان لأن الكتب اليابانية يقرأها اليابانيون كما هو الحال مع الكتب العربية التي يقرأها العرب في أغلب الأحوال فهاتين اللغتين ليست كاللغة الإنجليزية أو الأسبانية أو الفرنسية التي تتقنها أمم مختلفة.

maxresdefault

تطبيق نموذج اليابان على الوطن العربي

عدد دور النشر اليابانية التي دخلت ضمن قائمة أكبر 57 شركة ناشرة للكتب في العالم في عام 2016 (1) هي 7 شركات، وقد بلغ مجموع عوائد تلك الشركات اليابانية في عام 2015 حوالي 4463 مليون دولار، وهذه الشركات تخدم حوالي 127 مليون شخص ناطق باللغة اليابانية. وهذا يعني أن هناك عائد سنوي قدره حوالي 35 دولار من كل شخص ياباني. لو افترضنا أن عدد الناطقين باللغة العربية يبلغ عددهم 328 مليون نسمة (وقد اعتمدنا عدد  العرب (2) بعد خصم 54  مليون أمي (3) وفقا لتقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) فإنه بالإمكان وبحذر شديد أن نتوقع عوائد شركات النشر العربية أن تبلغ 11526 مليون دولار في حال قيام شركات النشر العربية بنشاط تسويقي شبيه بالدور الذي تقوم به شركات النشر اليابانية. تبلغ تكلفة الدعاية والإعلان المخصصة للمطبوعات في اليابان في عام 2015 حوالي 843 مليون دولار أمريكي (4) وهي تكافئ 18.9% من إجمالي عائد دور النشر اليابانية (تم احتساب هذه النسبة من تقرير الإنفاق على الدعاية والإعلان في اليابان لعام 2015)، مما يعني لو أن شركات النشر العربية استثمرت في الدعاية والإعلان ما قيمته 2177 مليون دولار فإن نتيجة ذلك الاستثمار في الداعية والإعلان سينتج عنه عائد يبلغ 11526 مليون دولار. ولكن يبقى السؤال المهم هنا وهو هل تغامر شركات النشر العربية في دفع هذا المبلغ الضخم في الدعاية والإعلان على المطبوعات في سوق تستباح فيه حقوق الملكية الفكرية؟

4a5c0890d1937eff7a955745a939d3a3

لا شك أن المبالغ الضخمة التي تدفعها دور النشر في الدول الصناعية والمتطورة من أجل الدعاية والإعلان للكتب لها تأثير في دفع المجتمع إلى القراءة، كما أن تلك الشركات لا تكتفي فقط في الدعاية التقليدية وإنما أيضا تطلق حملات اعلانية ضخمة وفقا لأحدث الوسائل تقدر بملايين الدولارات، بل أن هناك قاعدة شائعة لديهم وهي تخصيص على الأقل نصف دولار لكل نسخة كتاب توزع في الأسواق من أجل الدعاية (5). وهذه القيمة هي الأقل، فبعض دور النشر وكذلك المؤلفين قد يجدون أن في زيادة الإنفاق على الدعاية والإعلان للكتاب ترفع من عوائده. لذلك نجد دور النشر العالمية تعلن في كل مكان حتى يصبح انتشار بعض الكتب الحديثة بين الناس ظاهرة في المجتمع أو صرعة، وقد نجد كتب معينة في أيدي الجميع. وبالطبع هذا الحال يعود بالنفع على كل من المؤلف (منتج المعرفة) الذي سيستفيد من عوائد بيع كتبه، والناشر (ناقل المعرفة) وهو الوسيط الذي نقل الكتاب من المؤلف إلى القارئ، وكذلك استفاد القارئ (متلقى المعرفة) الذي دفعته الحملات الإعلانية إلى قراءة الكتاب فاستزادت ثقافته ومعرفته.

borders-billboard

أما في الوطن العربي فغياب حماية الملكية الفكرية لا يشجع ناشري الكتب على دفع المبالغ الضخمة في الحملات الإعلانية مثل ما يحصل في الدول المتطورة. فالناشر يعلم تماما أنه متى ما صرف الملايين على الإعلان عن أي كتاب فإن ذلك الكتاب سوف يسرق باستنساخه ثم يباع على أرصفة العواصم العربية وربما يصور ثم يتم نشره في الانترنت، فيخسر الناشر ويضيع جهد المؤلف. إن النموذج السابق لا ينطبق فقط على التأليف ونشر الكتب وإنما أيضا على الكثير من المنتجات المعرفية، مثل برامج الكمبيوتر والتصميم والاختراعات وكثير من المنتجات المعرفية التي تتطلب حماية ملكيتها الفكرية، الأمر الذي أصبح لها قيمة اقتصادية لا يستهان بها وخير مثال على ذلك الشركات المنتجة للبرامج والتصميم.

daily2.497943

إن حماية الملكية الفكرية هي أساس لنجاح سلسلة المؤلف الناشر القارئ، فالمؤلف يعلم أن حقه محفوظ وأن هناك عوائد مجزية من إنتاجه لذا سيستمر في انتاجه، والناشر يعلم أن حقه محفوظ لذا فهو يستمر في استثماره الذي يتمثل في دفع المجتمع إلى القراءة من خلال الدعاية والإعلان والتسويق، والقارئ سعيد فيما اشتراه لأنه يعلم أنه اشترى ما هو جيد ونافع ومفيد وسوف تنمو ثقافته.

441

لربما يعتقد البعض أن سبب ضعف إنتاج الكتب في العالم العربي ليس بسبب عدم رصد الأموال الضخمة من قبل شركات النشر بهدف الدعاية والإعلان وإنما بسبب قيود الرقابة التي تحد من التأليف. إن القيود والرقابة على المطبوعات ما هي إلا خرافة يعتقد بها البعض مخطئا، فهناك الكثير من الموضوعات التي لا تعاني من القيود مثل كتب الأطفال وكتب العلوم المختلفة والروايات وغيرها من موضوعات، كما أن قيود الرقابة لو أن لها تأثير لما دخلت الصين وسنغافورا ضمن قائمة أكبر دور نشر في العالم. لا شك أن دخل الفرد عنصر مهم في معادلة سوق النشر فكثير من الدول العربية منخفضة الدخل ولكن من جانب آخر هناك عدد من الدول العربية التي تتمتع بدخل فرد عالي ومع ذلك لا يجد أفرادها ما يغري على القراءة وذلك بسبب عزوف شركات النشر عن الاستثمار في الاعلان ودفع المستهلك للقراءة كما تفعل كافة دول العالم المتقدمة التي تحمي حقوق النشر.

0_0_620_http---offlinehbpl.hbpl.co.uk-news-OKM-Orion

إن العالم يتطور فحتى الكتب تتجه الآن إلى هيئة إلكترونية بعد أن كانت في هيئة ورقية، ومع ذلك تطورت نظم الحماية الإلكترونية للملكية الفكرية فهناك ملاحقات قانونية للعديد من السرقات الفكرية التي تتم من خلال الإنترنت وذلك بواسطة تنسيق دولي وذلك لأن العالم يدرك تماما ان انتهاك الملكية الفكرية يقوض الاقتصاد الوطني ويحد من تنمية المجتمع ويعرقل تحوله إلى مجتمع معرفي. العالم العربي بحاجة إلى تدخل حكومات الدول العربية لا سيما الثرية منها لتأسيس أكثر من دار نشر قادرة على التالي:

  • الإقدام على المغامرة في الدعاية والإعلان في مجال الطباعة والنشر.
  • الانتقال السريع إلى النشر والتوزيع الإلكتروني.
  • استغلال القنوات القانونية المحلية والدولية لحماية الملكية الفكرية.

BEA-Floor

ربما قديما كان الكتاب العربي اكثر رواجا ولكننا نحن اليوم في عصر مختلف، فهناك الكثير من المغريات التي قد تدفع المواطن العربي إلى قراءة الكتب الأجنبية بسبب جودة ما تحمله من معلومات من جهة والزخم الدعائي لها من جهة أخرى. لذا إن أردنا دفع المواطن العربي إلى القراءة منذ نعومة أظفاره فلا مناص من توفير بيئة تشجع صناعة الطباعة والنشر ولعل حماية حقوق المؤلف والناشر من السرقة هي التي ستؤدي في نهاية الأمر إلى دفع القارئ العربي إلى القراءة كما هو حاصل في مختلف دول المتقدمة. لذا في النهاية علينا أن نتعامل مع العوائد الناتجة عن بيع الكتب العربية أكانت في هيئة مطبوعة أو إلكترونية كمؤشر على مدى توجه المواطن العربي إلى القراءة. من يدري ربما الحكومات العربية التي فشلت في القضايا السياسية تنجح في مجال صناعة الطباعة والنشر للكتاب العربي في سوق واعد يدر أكثر من 11 ألف مليون دولار سنويا.

2016-03-01_ALECSO

 

الهوامش:

  • تم الحصول على هذه الإحصائية من مجلة “Publishers Weekly” وهي مجلة متخصصة معنية بقطاع نشر الكتب في العالم. توفر المجلة احصائية بأكبر دور النشر في العالم مع وتوفير معلومات عنها وعوائدها السنوية. بالإمكان الوصول إلى هذه القائمة مباشرة من خلال الوصلة المختصرة: https://goo.gl/QynBKY موقع المجلة: publishersweekly.com
  • تم الحصول على عدد سكان الدول العربية من تقرير “الدول العربية أرقام ومؤشرات – العدد الخامس” المصدر المباشر https://goo.gl/RQzsUc من موقع جامعة الدول العربية http://www.lasportal.org .
  • تم الحصول على عدد الأميين العرب من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. الوصلة المختصرة https://goo.gl/DZAmtP موقع المنظمة http://www.alecso.org .
  • تم الوصول إلى هذه الأرقام وفقا لتقرير الإنفاق على الدعاية والإعلان في اليابان لعام 2015 الصادر عن مجموعة “Dentsu” التي تعتبر أكبر مجموعة إعلانية في اليابان. فقد ذكر التقرير أن إجمالي الإنفاق على الدعاية والإعلان لمختلف المنتجات والخدمات في اليابان في عام 2015 كان 2,746.4 بليون ين ياباني وكان نصيب الدعاية للمطبوعات 3.1% من أجمالي ذلك الإنفاق. بالإمكان الوصول إلى التقرير عن طريق الوصلة المختصرة: https://goo.gl/A2CnPM أو من خلال موقع مجموعة “Dentsu”:  dentsu.com .
  • تم الحصول على هذه المعلومة من مقالة نشرها أحد المتخصصين في الطباعة والنشر بالإمكان الوصول إليها عن الطريقة الوصلة التالية مباشرة: http://www.chipmacgregor.com/marketing-and-platforms/how-much-money-does-a-publisher-invest-in-marketing-my-book/ أو الوصول إليها عن طريق الوصولة المختصر: http://goo.gl/CJh1fS

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s